جلال الدين السيوطي

45

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

الرّقة ، أوصلت إلى الفضل بن الربيع ، فقال : لا تلقين أحدا ولا تكلمه حتى أوصلك إلى أمير المؤمنين . وأنزلني منزلا أقمت فيه يومين أو ثلاثة ، ثم استحضرني ، فقال : جئني وقت المغرب حتى أدخلك على أمير المؤمنين . فجئته ، فأدخلني على الرشيد وهو جالس منفرد ، فسلّمت ، فاستدناني وأمرني بالجلوس ، فجلست ، وقال لي : يا عبد الملك ، وجّهت إليك بسبب جاريتين أهديتا إليّ وقد أخذتا طرفا من الأدب ، أحببت أن تبوّر ما عندهما وتشير عليّ فيهما بما هو الصواب عندك . ثم قال ليمض إلى عاتكة ، فيقال لها أحضري الجاريتين . فحضرت جاريتان ما رأيت مثلهما قط ، فقلت لإحداهما : ما اسمك ؟ قالت : فلانة . قلت : ما عندك من العلم ؟ قالت : ما أمر الله عزّ وجلّ به في كتابه ، ثم ما ينظر الناس فيه من الأشعار والآداب والأخبار . فسألتها عن حروف من القرآن ، فأجابتني كأنها تقرأ الجواب من كتاب ، وسألتها عن النحو والعروض والأخبار ، فما قصرت ، فقلت : بارك الله فيك ، فما قصرت في جوابي في كلّ فنّ أخذت فيه ، فإن كنت تقرضين الشعر ، فأنشدينا شيئا ، فاندفعت في هذا الشعر : يا غياث البلاد في كلّ محل * ما يريد العباد إلا رضاكا لا ومن شرّف الإمام وأعلى * ما أطاع الإله عبد عصاكا ومرّت في الشعر إلى آخره ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، ما رأيت في مسك رجل مثلها . وقالت الأخرى ، فوجدتها دونها ، فقلت : ما تبلغ هذه منزلتها إلا أنّها إن ووظب عليها لحقت . فقال : يا عباسيّ . فقال الفضل : لبّيك يا أمير المؤمنين . فقلت : لتردّ إلى عاتكة ، ويقال لها : تصنع هذه التي وصفتها بالكمال لتحمل إليّ الليلة . ثم قال لي : يا عبد الرحمن ، أنا ضجر وقد جلست أحبّ أن أسمع حديثا أنفرج به ، فحدّثني بشيء . ؟ فقلت : لأيّ الحديث يقصد أمير المؤمنين ؟ قال : لما شاهدت وسمعت من أعاجيب الناس وطرائف أخبارهم . فقلت : يا أمير المؤمنين ، صاحب لنا في بدو كنت أغشاه وأتحدّث إليه ، وقد أتت عليه ستّ وتسعون سنة أصحّ الناس ذهنا وأجودهم أكلا وأقواهم بدنا ، فغبرت عليه زمانا ثم قصدته ، فوجدته ناحل البدن كاسف البال متغيّر الحال ، فقلت له :